ابن الجوزي

236

صفة الصفوة

منصور بن عبد اللّه قال : قال أبو الخير : الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها ، فليلقها إلى اللسان فتنطق بها ألسنة الحمقى . قال : وسمعته يقول : دخلت مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأنا بفاقة ، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذوقا ، فتقدّمت إلى القبر فسلّمت على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى أبي بكر وعمر ، وقلت : أنا ضيفك الليلة يا رسول اللّه . وتنحّيت فنمت خلف المنبر . فرأيت في النوم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر عن يمينه ، وعمر عن شماله ، وعلي ابن أبي طالب بين يديه . فحرّكني عليّ وقال لي : قم قد جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقمت إليه وقبّلت بين عينيه ، فدفع إليّ رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت وإذا في يدي نصف رغيف . إبراهيم بن محمد المراغي قال : سمعت أبا الخير التيناتي يقول : بقيت بمكة سنة فأصابني ضرّ وفاقة ، فكلّما أردت أن أخرج إلى المسألة هتف بي هاتف يقول : الوجه الذي يسجد لي تبذله لغيري ؟ أخبرنا المحمدان بن عبد الملك وابن ناصر قال أنبأ أحمد بن الحسن بن خيرون قال : قرأت على أبي الحسين علي بن محمود الصوفي أخبركم علي بن المثنى ، وأخبرنا أبو بكر العامري قال : أنبأ عليّ بن أبي صادق قال : أنا ابن باكويه قال : أخبرني إبراهيم بن أحمد المراغي قالا : سمعنا أبا الخير التّيناتي الأقطع يقول : ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلّا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء الصادقين . محمد بن الفضل قال : خرجت من أنطاكيّة ودخلت تينات ودخلت على أبي الخير الأقطع على غفلة منه بغير إذن فإذا هو ينسج زنبيلا بيديه ، تعجّبت ، فنظر إليّ وقال : يا عدوّ نفسه ، ما الذي حملك على هذا ؟ فقلت : هيجان الوجد لما بي من الشوق إليك . فضحك ثم قال لي : اقعد لا تعد إلى شيء من هذا بعد اليوم . ثم قال : استر عليّ في حياتي ، ففعلت . قال ابن باكويه ، وسمعت إبراهيم بن محمد السبّاك برها « 1 » يقول : كنا نطّلع

--> ( 1 ) الرها ؛ مدينة بالجزيرة بين الشام والموصل .